عنوان المقالة : أضواء على الصيدلة العربية
اسم الكاتب : د . بركات محمد مراد
المجال : تاريخ , طب , حقائق
اللغة : العربية
يورد الكاتب بادئ الأمر عبارةً ثمينة , تأتي من الغرب , على جناح الإنصاف والعدل , هي عبارة للمستشرقة والمفكرة الألمانية , سيغريد هونكة المتوفاة عام 1999 م , وصاحبة كتاب ” شمس الله تشرق على الغرب ” , عبارة نصها ” إن كل مستشفى على ما فيه من أقسام , وكل صيدلية ومستودع أدوية , في عصرنا الحاضر , إنما هي نصب تذكاري للعبقرية العربية ” , ينتهي كلام هونكة هنا , فيبدأ الحديث ذو الشجن حول تاريخ هذا العلم , وكيف أنه أصبح مستقلاً , حيث يرى الكاتب أن الإنسان الأول مارس جمع الأعشاب الطبية كأمر جبلي أثناء سعيه الغريزي لإيجاد طعامه , فلابد أنه رأى نتائج النبات على الأبدان حسب مقتضيات حالاته , في هذه المرحلة كان اسم هذا الشخص ” العشّاب ” أو العشّاب الأول , وحين أصبح الطبيب يمارس دوره الواضح في المجتمع البشري , كان جزء من عمله البحث عن العقاقير اللازمة , واستمرت تلك المرحلة حتى عام 300 م , بعدها كان الجانب الدوائي يتضخم , في حين أن الدور التشخيصي للطبيب يتضخم بدوره أيضاً , مما جعل الصيدلي يتخصص , وينتهي عهد ” الطبيب الصيدلي ” أو ” الصيدلي الطبيب ” .
ويعرف الصيدلة على أنها ” علم يبحث في مصادر الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية , المفردة والمركبة , ويبحث في خصائصها الطبية والمادية , وفي طرق تحضيرها واستحضارها والظروف المصاحبة لذلك ” , وهو من وجهة نظري , تعريف شامل كامل , وإن كان يركز كثيراً على المصدر الطبيعي , ويرى البيروني مؤسس الصيدلة عبر كتابه ” الصيدلة في الطب ” بأن الصيدلاني , هو ذلك الشخص المحترف بجمع الأدوية على أحمد صورها حسب ما يرى مبرزو أهل الطب ” , والصيدلاني , لفظة آتية من الصندلاني , والصندل إما أن يأتي ترجمة لكلمة ” جندن ” , وهي تعني في أفواه الطب كلمة ” العطر ” , أو أنه من الصندل , النبات , وفي كلتا الحالتين , فأننا نلحظ المعنى واضحاً حسب طبيعة المهنة .
ثم يورد الكاتب المعلومات الأهم في نظري حيث يورد حقائق لسبق العرب والمسلمين في هذا المجال , وسأورد ما اقتنصت من فوائد على شكل نقاط :
- العرب أول من نقى الكحول واستخدمه في الطب والتعقيم للجروح , وهو ما يوازي استعمال البنسلين هذه الأيام , حيث أنهم أول من أخرج كحول المواد النشوية والسكرية عن طريق الطبيب الرازي , كما أن اكتشافهم التقطير ساعدهم في استخراج العرق من التمر , واستخدموه , وفي رأيي أن استخدامه تعدى ذلك ليكون مؤسساً لمبدأ التخدير المعمول به اليوم , كما استطاعوا تنقية الماء الموبوء , ومن ثم أتاحوه للناس , يعمل كمضاد حيوي .
- اكتشف العرب أدوية ناجعة , وكانت طبيعية , فهم أول من استخدم القهوة للجروح , وأشاروا إليها في علاج اللوزتين والزحار وغيرها , ووصفوا الكافور لإنعاش القلب , كما أنهم أول من صنع الأشربة السكرية , من محاليل السكر والكرنب , فصنعوا المادة السكرية الكثيفة التي تعلق فيها المواد الدوائية الفعالة , وهو ما يعرف اليوم في الصيدلة باسم “syrup “
- وعند النقطة الماضية , نتلقف فائدة مهمة جداً , وهي أن دلائل العرب وأسبقيتهم لازالت حاضرة إلى اليوم في الكثير من المصطلحات , كالكلمة السابقة شراب , ومرادفها الانجليزي “syrup” , والكحول “alcohol” , وحجر بازدهر “Bezoar” , والإكسير “Elixier” , والبورق “Borax ” .
- كما وضع المسلمون أساسيات الرقابة الصحيحة على الصيادلة , حيث أسسوا ما يسمى بالحسبة – وهو لفظ لازال يستخدم كما هو في أسبانيا اليوم , حيث انتشر الصيادلة الكذابون في عهد المأمون والذين يدعون وجود كل أصناف الأدوية لديهم , فأسس المأمون هذا النظام الرقابي على الصيادلة , في العام 218 هـ .
- ثم جاء بعده المعتصم ليكمل ما بدأه , فوضع عام 221 هـ , نظاماً لاختبار الصيادلة , وتفحص معلوماتهم , ومن ثم إعطائهم إجازة لممارسة المهنة , وهو نظام معمول به اليوم في كل دول العالم , باختلاف قوة هذه الإجازة الإقليمية , كما وضع على كل مدينة عميداً للصيادلة فيها .
- واستحدثَ المسلمون كتاباً موسوعياً يضعون فيه كل الأدوية التي يعرفون , سواءً من اكتشافهم أو اكتشاف من سبقهم , ليبقى هذا الكتاب مرجعاً موحداً وسموه ” الأقرباذين ” , وهو ما يسمى اليوم بـدستور الأدوية “Pharmacopeias” .
- وترجم المسلمون الكثير من المؤلفات , وألفوا أيضاً سواءً كان ذلك في الشرق , أو في الغرب ” الأندلس ” , وسط ترحيب وتشجيع من الخلفاء والأمراء , وأصحاب المال والنفوذ .. فترجم كتاب ” المفردات النباتية الطبية ” لديسقوريديس ” , عن طريق ” أصطفيان بن باسيل ” , في عهد الخليفة المتوكل على الله .
- كما ألف الطبيب القرطبي ” أحمد بن محمد الغافقي ” مفرداته الطبية , وجمع فيه الكثير من نبات الإسبان وأفريقيا , وتحدث عن طريقة إنباتها , فجاء بعده مواطنه ابن البيطار , وهو أكبر علماء الكيمياء والصيدلة على الإطلاق فألف كتابه الخاص , واستند فيه على تلك المفردات , وجمع في ذلك الكتاب 1400 دواء مع الاسم اللاتيني لكل نبته والاسم العربي .
- أما مؤسس الصيدلة فهو البيروني وألف كتاب ” الطب في الصيدلة ” , وألف ابن النفيس ” القانون ” وألف الرازي الطبيب كتابه ” الحاوي ” .
- أما ابن البيطار فتكلم في كتابه ” الدرة البهية ” عن الغذاء ورأى أن الغذاء هو الخط الأول في مواجهة المرض , فغيّب كلامه دهراً , فعاد إليه العالم برمته اليوم , وأصبحت التغذية تخصصاً كبيراً يمتلئ بالأبحاث .
- كما اقترحَ ابن زهر التدرج في الجرعة , وأسس لمبدأ أن تعالج المادة الجسم بأقل تعرض فسيولوجي ممكن .
- وإن مما يذهل أن ابن النفيس خصص في موسوعته الكبرى ” الشامل ” 28 مجلداً , في ما يخص الأدوية المفردة فقط !
- وانتبه الرازي إلى مسألة مهمة , وهي أن بعض المرضى لديه حساسية قوية جداً للمذاق المر للدواء , فغلف حبات الدواء بغلاف من السكر , حيث كان ينشر محلول السكر على طبقةٍ من المرمر , وتوضع في المادة الفعالة , ثم يقطّع وهو المبدأ المعمول به صناعياً اليوم “Tablet Coating”. وغلف ابن سينا بعض الحبات بالذهب والفضة , حيث وجد أن الذهب والفضة مفيدين للقلب .
- كما أورد الكاتب في آخر المقال نظام البيمارستانات العربي الإسلامي أيام النهضة الإسلامية الكبرى آنذاك – البيمارستان : دار العلاج – , حيث كان المستشفى ينقسم إلى قسمين منفصلين , قسم للذكور وآخر للإناث , كل قسم مجهز ما يخصه من آلفة وعدة وفراشين من الرجال والنساء وقوام ومشرفين .. إلخ .
